عبد الفتاح عبد المقصود
30
في نور محمد فاطمه الزهراء
وبدت ضبابة البخور الرمادية رقطاء « 1 » ، فعلى ديباجتها الرقيقة أخذت تظهر نقط بيضاء كالنجوم ، نقط تتراقص في رشاقة واتّساق . آناً تترآى وآناً تتوارى ، تارةً تومض وتارةً تأفل ، مرّة تشرق فتبرق ، ومرّةً تبهت فتغرق في أغوار الدخان . * * * ومضت المجمرة المعطّرة في يد صاحبتها ، تعلو وتهبط ، وتلفّ وتدور ، وهي تنثر الشذى الذكي ، في جَنَبات « 2 » البيت الحرام ، بين الأَبْهاء « 3 » ، على الجدران ، عند الحطيم والحجر والمقام . * * * ولحظة أن أخذت المرأة تدثّر الكعبة بزفير الجمر ، طفت فوق طرف غمامة البخور العائمة في جوّ المكان ، قطرة من ضياء ، كأنّها فقاعة هواء في ماء رقراق . كانت بهيّة السنا واللألاء ، كان كفراشة هائمة حيرانة ، تتأرجح وتتذبدب على غبش « 4 » الدخان الرمادي ، باحثة عن طريقها إلى التحرّر . كانت شرارة نار . * * * في لمحة عين ، تركت قطرة الضياء الوهّاجة موكب الضباب الذي تسير فيه ، واتّجهت إلى ذلك البناء الأقدس الأغرّ الذي بدأت تتجمّع حوله سحابات العطر .
--> ( 1 ) . الرُقْطَة : السواد المشوب بنقطٍ بياض ، أو البياض المشوب بنقطٍ سواد . ( 2 ) . الجَنَبات والأجْنِبَة : جمع جَنْبة ، وهي الناحية . ( 3 ) . الأَبْهاء والبُهُوّ والبُهِيّ : جمع بَهْو ، وبهو البيت معروف ، وهو كلّ ما يقام أمام البيت من منزلٍ للغرباء والضيوف ، وهو اليوم غرف الاستقبال ، وقاعات الضيوف الصغيرد والكبيرة . ( 4 ) . غَبِشَ الليل وأغْبَش : إذا خالط البياض ظلمته في آخره .